الغزالي

188

إحياء علوم الدين

فإن قلت : فإن كان سماع القرءان مفيدا للوجد ، فما بالهم يجتمعون على سماع الغناء من القوالين دون القارئين ، فكان ينبغي أن يكون اجتماعهم وتواجدهم في حلق القراء لا حلق المغنين ، وكان ينبغي أن يطلب عند كل اجتماع في كل دعوة قارئ لا قوّال ، فإن كلام الله تعالى أفضل من الغناء لا محالة فاعلم أن الغناء أشد تهييجا للوجد من القرءان من سبعة أوجه الوجه الأول : أن جميع آيات القرءان لا تناسب حال المستمع ولا تصلح لفهمه وتنزيله على ما هو ملابس له ، فمن استولى عليه حزن أو شوق أو ندم ، فمن أين يناسب حاله قوله تعالى : * ( يُوصِيكُمُ الله في أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ) * « 1 » وقوله تعالى * ( والَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ) * « 2 » وكذلك جميع الآيات التي فيها بيان أحكام الميراث ، والطلاق والجدود ، وغيرها ، وإنما المحرك لما في القلب ما يناسبه ، والأبيات إنما يضعها الشعراء إعرابا بها عن أحوال القلب ، فلا يحتاج في فهم الحال منها إلى تكلف ، نعم من يستولى عليه حالة غالبة قاهرة لم تبق فيه متسعا لغيرها ، ومعه تيقظ وذكاء ثاقب يتفطن به للمعاني البعيدة من الألفاظ ، فقد يخرج وجده على كل مسموع ، كمن يخطر له عند ذكر قوله تعالى * ( يُوصِيكُمُ الله في أَوْلادِكُمْ ) * حالة الموت المحوج إلى الوصية ، وأن كل إنسان لا بد أن يخلف ماله وولده ، وهما محبوباه من الدنيا فيترك أحد المحبوبين للثاني ويهجرهما جميعا ، فيغلب عليه الخوف والجزع ، أو يسمع ذكر الله في قوله ( يوصيكم الله في أولادكم ) فيدهش بمجرد الاسم عما قبله وبعده ، أو يخطر له رحمة الله على عباده وشفقته ، بأن تولى قسم مواريثهم بنفسه نظر لهم في حياتهم وموتهم ، فيقول : إذا نظر لأولادنا بعد موتنا فلا نشك بأنه ينظر لنا ، فيهيج منه حال الرجاء ويورثه ذلك ، استبشارا وسرورا ، أو يخطر له من قوله تعالى * ( لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ) * تفضيل الذكر بكونه رجلا على الأنثى ، وأن الفضل في الآخرة لرجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ، وأن من ألهاه غير الله تعالى عن الله تعالى فهو من الإناث لا من الرجال تحقيقا ، فيخشى أن يحجب أو يؤخر في نعيم الآخرة كما أخرت الأنثى في أموال الدنيا ، فأمثال هذا قد يحرك الوجد ولكن لمن فيه وصفان :

--> « 1 » النساء : 11 « 2 » النور : 4